أحمد بن ابراهيم النقشبندي

243

شرح الحكم الغوثية

118 - الإخلاص ما خفي عن النفس درايته ، وعلى الملك كتابته ، وعلى الشيطان غوايته ، وعلى الهوى إمالته . أشار بهذا الإخلاص إلى لب الذّكر ، وهو الذّكر الخفي الذي يتحقق عنده السالك بفناء الفناء ، فيفني ويفني عن فناءه ، وعنده لا يشعر بقبره ، ولا يشعر بشعوره أيضا . وقالوا : إن شعور الملك مع شعور الشخص ، فإذا جاوز شعوره جاوز شعور الملك ، فحينئذ يخفي الذكر عن الملك ، وعن النفس ، وعن الشيطان ، وعن الهوى ، ويبقى معلوما للحق ، منفردا عن السوى ، وهذا أعلى مراتب الذّكر ، وبه يكمل الإخلاص ، ويحتمل أن يكون هذا المقام الذي أشار إليه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « لي مع اللّه وقت ، لا يسعني فيه ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل « 1 » » ، وذلك عند التشريف بالتجلّي الذاتي كما أشار إليه بعض العارفين ؛ فإذا تشرّف ذهبت عنه الأغيار ، وانمحت الآثار ، وذهبت العلوم والرسوم ، ولم يبق إلّا الحي القيوم . فإذا أردت أيّها الأخ التحقق بهذا المقام الزم الذّكر في كل وقت ؛ حتى يغنيك عنك ، وتصطلم وتصير من أهل المشاهدة والمحادثة ، وترجع بعد ذلك إلى التمكين ، الوقوف محادثة اللّه عند اصطلام العبد ، الوقوف في اصطلاح القوم حالة تحصل للسالك يصير فيها مصطلحا ، ويغيب عن الأكوان ، ويدخل في مقام الإحسان ، مقام

--> ( 1 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 4 / 6 ) ، والعجلوني في كشف الخفا ( 2 / 226 ) . فائدة : « لي وقت » هو هنا عبارة عن الحال الذي يقتضيه الاستعداد الغير المجعول ، ويطلق في اصطلاح الصوفية أيضا على ما يردّ على العبد ، ويتصرّف فيه ، ويمضيه بحكمة من خوف أو حزن ، ولذلك قيل : الوقت سيف ؛ لأنه يقطع الأمر بحكمة ، ويقال : فلان يحكم الوقت . وقد يراد بالوقت : ما حصل من الزمان المسمّى بالحال ، يقال : فلان مشتغل بوظيفة الوقت : أي يعمل في كل حال ما لا يسوغ فيه إلا ذاك ، وفيه قيل من أهل وظيفة الوقت ، فوقته مقت . ( مع اللّه ) معيّة خاصة ليست في الاستعداد غيري . وتتمة الحديث : « لا يسعني فيه ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل » ، فدخل المهيمون من الملائكة أيضا .